الشوكاني
439
فتح القدير
الوجه من الخضوع والانكسار والهوان ، والمعنى : أنه لا يعلو وجوههم غبرة ولا يظهر فيها هوان ، وقيل القتر الكآبة ، وقيل سواد الوجوه ، وقيل هو دخان النار ( أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) الإشارة إلى المتصفين بالصفات السابقة هم أصحاب الجنة الخالدون فيها المتنعمون بأنواع نعيمها ( والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ) هذا الفريق الثاني من أهل الدعوة ، وهو معطوف على ( للذين أحسنوا ) كأنه قيل وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ، أو يقدر وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها : أي يجازي سيئة واحدة بسيئة واحدة لا يزاد عليها ، وهذا أولى من الأول لكونه من باب العطف على معمولي عاملين مختلفين ، والمراد بالسيئة إما الشرك أو المعاصي التي ليست بشرك ، وهي ما يتلبس به العصاة من المعاصي ، قال ابن كيسان : الباء زائدة ، والمعنى : جزاء سيئة مثلها ، وقيل الباء مع ما بعدها الخبر ، وهي متعلقة بمحذوف قامت مقامه ، والمعنى : جزاء سيئة كائن بمثلها كقولك إنما أنا بك ، ويجوز أن يتعلق بجزاء والتقدير جزاء سيئة بمثلها كائن فحذف خبر المبتدأ ، ويجوز أن يكون ( جزاء ) مرفوعا على تقدير فلهم جزاء سيئة فيكون مثل قوله - فعدة من أيام أخر - أي فعليه عدة ، والباء على هذا التقدير متعلقة بمحذوف كأنه قال لهم جزاء سيئة ثابت بمثلها ، أو تكون مؤكدة أو زائدة . قوله ( ترهقهم ذلة ) أي يغشاهم هوان وخزي . وقرئ " يرهقهم " بالتحتية ( ما لهم من الله من عاصم ) أي لا يعصمهم أحد كائنا من كان من سخط الله وعذابه ، أو ما لهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما يكون للمؤمنين ، والأول أولى ، والجملة في محل نصب على الحالية ، أو مستأنفة ( كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ) قطعا جمع قطعة ، وعلى هذا يكون مظلما منتصبا على الحال من الليل : أي أغشيت وجوههم قطعا من الليل في حالة ظلمته . وقد قرأ بالجمع جمهور القراء . وقرأ الكسائي وابن كثير ( قطعا ) بإسكان الطاء ، فيكون مظلما على هذا صفة لقطعا ، ويجوز أن يكون حالا من الليل . قال ابن السكيت : القطع طائفة من الليل ( أولئك ) أي الموصوفون بهذه الصفات الذميمة ( أصحاب النار هم فيها خالدون ) وإطلاق الخلود هنا مقيد بما تواتر في السنة من خروج عصاة الموحدين : قوله ( ويوم نحشرهم جميعا ) الحشر الجمع ، وجميعا منتصب على الحال ( ويوم ) منصوب بمضمر : أي أنذرهم يوم نحشرهم ، والجملة مستأنفة لبيان بعض أحوالهم القبيحة . والمعنى : أن الله سبحانه يحشر العابد والمعبود لسؤالهم ( ثم نقول للذين أشركوا ) في حالة الحشر ووقت الجمع تقريعا لهم على رؤوس الأشهاد ، وتوبيخا لهم مع حضور من يشاركهم في العبادة وحضور معبوداتهم ( مكانكم ) أي الزموا مكانكم واثبتوا فيه وقفوا في موضعكم ( أنتم وشركاؤكم ) هذا الضمير تأكيد للضمير الذي في مكانكم لسده مسد الزموا ، وشركاؤكم معطوف عليه . وقرئ بنصب شركاؤكم على أن الواو مع . قوله ( فزيلنا بينهم ) : أي فرقنا وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا : يقال زينته فتزيل : أي فرقته فتفرق ، والمزايلة المفارقة ، يقال زايله مزايلة وزيالا إذا فارقه ، والتزايل التباين قال الفراء : وقرأ بعضهم ( فزايلنا ) والمراد بالشركاء هنا الملائكة ، وقيل الشياطين ، وقيل الأصنام ، وإن الله سبحانه ينطقها في هذا الوقت . وقيل المسيح ، وعزير ، والظاهر أنه كل معبود للمشركين كائنا ما كان ، وجملة ( وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون ) في محل نصب على الحال بتقدير قد ، والمعنى : وقد قال شركاؤهم الذين عبدوهم وجعلوهم شركاء لله سبحانه ما كنتم إيانا تعبدون ، وإنما عبدتم هواكم وضلالكم وشياطينكم الذين أغووكم ، وإنما أضاف الشركاء إليهم مع أنهم جعلوهم شركاء لله سبحانه ، لكونهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم فهم شركاؤهم في أموالهم من هذا الحيثية ، وقيل لكونهم شركاؤهم في هذا الخطاب ، وهذا الجحد من الشركاء وإن كان مخالفا لما قد وقع من المشركين من عبادتهم ، فمعناه إنكار عبادتهم إياهم عن أمرهم لهم بالعبادة ( فكفى بالله شهيدا بينا وبينكم )